02/01/2026
العطف والقسوة في شخصية الآنسة منشن
الآنسة منشن من الشخصيات التي لا تستطيع أن تعطي حكما جازما بحقها، فيما إذا كانت سيئة أو لا. ستصفها بالشريرة إن شاهدتها وأنت طفل لأنك في عمر أقل من أن تنظر فيه لأبعد من السلوك الظاهر، لن تحاول أن تفهم الدوافع أو أن تجد لها مبررات مقنعة. ثم تكبر فتحاول أن تحكم على الشخصيات وأفعالها بطريقة مختلفة، لا تبجلها ولا تحقرها بشكل مبالغ، تنظر لها وكأنها إنسان من لحم ودم، تحاول أن تكون في نفس ما تمر به من ظروف لتحس بمشاعرها الحقيقة. الآنسة منشن كانت من هذه الشخصيات التي تبدلت نظرتي لها عندما كبرت، ولا زلت أحتار وأتعجب منها.
الصرامة من السمات الأساسية في شخصية الآنسة منشن والتي قد تصل إلى حد القسوة حتى مع أقرب المقربين إليها وهي أختها إيميليا، وهذه الصفة بلا شك ناتجة عن الظروف والحياة التي عاشتها، كشخصية مسؤولة عن نفسها وأختها، عليها أن تبذل أقصى ما تستطيع لأن تنجح في بناء الحياة التي تتمناها بجهد فردي ومسؤولية كاملة، لا بد إذن أن تكون لهذه الظروف أثرها الكبير على شخصية منشن. لذا هل من العدل أن نصف الآنسة منشن بالقسوة دون التطرق لشخصيتها وظروفها أو حتى دون أن نعير اهتماما لموقف كريم بدر منها وإن كان يتيما. هل كانت منشن قاسية ومتجبرة على سالي برغبة متعمدة أصيلة في نفسها, أم أن للظروف والشخصية الصارمة سببا فيما بدر منها؟
قامت منشن بتأسيس المعهد والذي يمثل لها مركز الحياة التي تدور حوله، تديره بحزم وإن تخللته صرامة مبالغة أو تشدد كبير في أمور عدة، ولأن الظروف المادية للمعهد لم تكن ممتازة، فإن ظهور السيد كروي – والد سالي صاحب مناجم الماس – كان بمثابة الأمل الذي تشبثت به منشن. سالي كروي لم تكن مجرد طالبة بل كانت تمثل بأموال والدها الحلم الحقيقي للآنسة منشن، المال الذي سيساهم في التطوير والحفاظ على المعهد.
بقدر ما كانت آمال الآنسة منشن عظيمة بقدر ما كانت خيبتها مماثلة، لذلك كان في نبأ وفاة السيد كروي ضياعا لكل ما بنته من طموحات، حتى تلك الأموال التي صرفت على حفلة عيد ميلاد سالي لن تجد من يردها لها الآن. بالنسبة لشخصية مثل منشن فإن هذا الموقف كان فاجعة. لا أريد أن أبرر موقفها السيئ عندما أخبرت سالي بخبر الوفاة، لكنها في تلك اللحظات لم تنظر لسالي كفتاة بحاجة إلى المساندة، بل رأت فيها حلما كانت تتمناه ثم تلاشى فجأة. ولأن سالي كانت هي الطريق لتحقيق ذلك الحلم، صارت الآن في نظر منشن وسيلة لتفريغ الحزن والغضب الذي انتابها بعد أن تلقت الصدمة. طبعا كان تصرف منشن أنانيا, فالبمقارنة بين أي منهما كانت مأساتها أكبر؟ بالتأكيد هي سالي, لكن أي إنسان لن يحس بمأساة الآخرين مثلما يشعر بمصيبته هو, وإن كانت فعليا أهون وأيسر. شخصية منشن المهووسة بكل ما من شأنه أن يفيد المعهد, يجعلنا لا نستغرب مما فعلته، هذا لا يعني ألا ندينه بل نحاول أن نفهم مبرراته.
لافينيا، إحدى الشخصيات الأساسية في المسلسل، والتي تبدو للوهلة الأولى أكثر الشخصيات شبها بمنشن، رغم ذلك فقد كان لها الفضل في أن أرى شخصية منشن الحقيقة كما أظن, إذا ما تمت المقارنة بين كل منهما. لأن الحقد والقسوة طباع أصيلة في شخصية لافينيا فإنها كانت تتعمد أن تؤذي سالي قدر ما تستطيع، هذا سلوك لم تتقصده منشن وإن كانت تلقي على كاهلها أعمالا كثيرة وقاسية، وهنا فرق كبير.
الموقف الذي يظهر لنا بجلاء الاختلاف بين شخصيتيهما، عندما قررت لافينيا أن تكون سالي خادمتها الخاصة إمعانا في إهانتها، كان تصرف الآنسة منشن حينها يعبر عن شخصية ترفض السلوك اللئيم الذي تتبعه لافينيا. صحيح أن منشن لا تتسم بالتعاطف واللطف، إلا أنها أيضا ليست حقودة وقاسية بفطرتها مثل لافينيا، لذا كان فيما فعلته آنذاك شيئا من التعاطف مع سالي وإن بدا بسيطا.
كيف تنظر الآنسة منشن لنفسها؟
عندما شب الحريق في الإسطبل، حيث كانت تنام سالي، ألقت منشن باللوم عليها وبدأت في استجوابها إلا أنها أنكرت أن يكون لها يد في الحريق. إيمان منشن العميق بأنها قد أذنبت في حق سالي جعلها تلقي عليها التهمة بلا أي دليل أو تقصي, ظننا منها أن سالي أرادت أن تنتقم مثلا, فقررت منشن أن توبخ سالي بالتمنن عليها بالعطف لسماحها بالبقاء في المعهد وكأنها تقول لها: هذا جزاء من أكرمك. منشن شعرت في نفس الوقت بأنها عطوفة ومذنبة, لكنها كانت بحاجة لكلمة شكر أو اعتذار من سالي لتزيل الشعور بالذنب, إلا أن سالي رغم أنها طفلة فقد كانت أكثر ثباتا وصدقا في مشاعرها من منشن فكان ردها على منشن: ” أنت لم تكوني في لحظة عطوفة علي ” غضبت منشن بشدة فقامت بطردها فورا من المعهد، وقد اعترفت لأختها لاحقا أنها لم تتعمد ذلك بل كان مجرد إنذار. منشن لم تكن بحاجة لأن تبرر قراراها بالطرد لأنها في موقف قوة إلا أنها أدركت خطأها.
إعتقاد منشن بأنها قد قدمت عطفا لسالي، يعطي لمحة عن طريقة تفكيرها ونظرتها للأمور، هي لن تبقي سالي في الحياة المرفهة وأيضا لن تطردها من المعهد في بلد غريب، بل ستجعلها تكافح وتعمل لتعيش، كل ما يتبع العمل من صعوبات ليس من شأن أحد أن يحمله عنك يا سالي, هذه هي الظروف والتي يجب أن تواجهيها بنفسك، أظن هذا ما كانت تفكر به الآنسة منشن بعد أن هدأت من صدمتها وراحت تنظر لسالي كأي عامل في المعهد, بلا رغبة في التشفي أو الأذية المتعمدة.